انطلق صوت المنبه المدوي الذي يصم آذان الأحياء ويبعث الأموات وكأنه نفخة القيامة ولكن العادة جعلت أهل البيت المتوسط العدد والعتاد يتباطئون في إغلاقه ،كلٌ يعتمد علي غيره في هذه المهمة الصعبة..فمن الشاق ان تعود لتكمل حلمك بعد أن خرجت من قاعة العرض وإذا عدت فلن تجد له نفس اللذة فإنك تخدع نفسك بصناعتك لنهاية لهذا الحلم
فتح الشاب المستلقى علي احد أسرة البيت الحالم عينيه وفركها قليلاً لتتضح له الرؤيا أخذ يقاتل مقاومتها الداخلية الدافعة نحو الإنغلاق الجبري إثر الإرهاق المزمن فمنذ أيام عديدة لم يقابل النوم إلا غفوات متعجلة رغم صعوده لفراشه كل يوم مبكراً ولكنه القلق قرين الأرق وملازمه الدائم يجتمعان علي المرء فيهلكانه .. ولكنه لم يمكن المعذب الوحيد في هذا البلد فإن الآلاف كانوا علي إثره في المعاناة فاليوم نتيجة الثانوية التي ينتظرها للمرة الثالثة فكل عام يدخل الإمتحان وتظهر النتيجة فلا ترضيه ولا تقنع مكتب التنسيق ولا تسد شبق كليته المأمولة فيصيبه الإكتئاب وحتي يتمكن من تفادي غضب الأب الحانق عليه وعلي الدروس الخصوصية وعلي الغلاء الفاحش والفقر الدكر والأم طبعا بسبب تربيتها المدللة للولد الفاشل ولكنه كغيره من مقلدي موضة الإنتحار السائدة في هذا اليوم- هربا من ملاقاة الواقع- يترك باب الغرفة مفتوحا دائما لتتسني الفرصة لإنقاذه بعد أن يبتلع نصف علبة المنوم ويلقي بالنصف الباقي من النافذة فتصرخ الأم الحانية وتتمني سلامته ولتذهب الكلية للجحيم ويعود ليدخلها ثانية ولا تختلف تقديراته بأكثر من درجة أو اثنان وهكذا دواليك
قفز من فراشه قفزة رياضية رشيقة ... وانطلق يعدل من هندامه - فقد استعد بملابسه من الليل- ويحسن من شعره ...ثم انطلق نحو بلورته السحرية أول أعماله الروتينية اليومية الجريدة ...لا ليعلم أخبار العالم ولكن لينظر ماذا كتبوا عنه ...لم يكن من مشاهير المجتمع وإنما واحد من مواليد برج الدلو يفتح الجريدة ليرى ماذا تتنبأ له ...وكان من حواري الإيمان بالمنجمين بل الصديق الأعظم إذا طالبوه بعمل شيئ فهو لابد فاعله ...وإذا نهوه عن فعل فقد صار عنده من الموبقات ...أصبحت حظك اليوم قرآنه ودستوره ... صديقه ومرشده
قفز من فراشه قفزة رياضية رشيقة ... وانطلق يعدل من هندامه - فقد استعد بملابسه من الليل- ويحسن من شعره ...ثم انطلق نحو بلورته السحرية أول أعماله الروتينية اليومية الجريدة ...لا ليعلم أخبار العالم ولكن لينظر ماذا كتبوا عنه ...لم يكن من مشاهير المجتمع وإنما واحد من مواليد برج الدلو يفتح الجريدة ليرى ماذا تتنبأ له ...وكان من حواري الإيمان بالمنجمين بل الصديق الأعظم إذا طالبوه بعمل شيئ فهو لابد فاعله ...وإذا نهوه عن فعل فقد صار عنده من الموبقات ...أصبحت حظك اليوم قرآنه ودستوره ... صديقه ومرشده
تلمست يداه صفحات الجريدة في خشوع وانطلق يتمتم بكلماته المقدسة اليومية ويتلو صلواته وترانيمه المتعلقة بفتح الطالع قائلاً : يارب خيراً
وتحسست عيناه طريقها نحو العمود المقدس في الصحيفة القوممية اليومية التي يؤمن بكذبها في كل شيئ ...كما يؤمن علي النقيض بنبوتها المطلقة وعصمتها الكاملة في التنبأ بأحداث الأبراج
وارتجفت يداه ... وأحس بتصاعد ضربات قلبه حتى وقعت عيناه على برجه فانطلقت منه صرخة مدوية ..صرخة تنم عن فرحه بما لاقاه ..فقد كتب :"ستحقق اليوم ما لم تستطع تحقيقه من قبل " تلقي الكلمات كأعظم أخبار حياته وانطلق يبشر أمه بأنه قد نال أعلي الدرجات في الثانوية العامة رغم أن النتيجة لم تظهر بعد ولكن لابد أن النبوءة صحيحة وصار الأمر إعتباراً لما سيكون وكأن شهادته قد صارت مكفولة بضمان رئيس التحرير
انطلقت خطاه متراقصة وعلي شفتيه ابتسامة متفائلة قلنا تجدها علي الشفاه في هذا اليوم النكسوي العصيب في هذا البلد المنتكس المعصوب... ودخل مدرسته وصعد درجات السلم كالبرق حتي مكان استلام شهادته وأعطي العامل ما جادت به نفسه وسلمه ورقته فقبله وانطلق واثقاً أن اليوم يوم سعده
وفتح الورقة فصعق وصرخ الصرخة الثانية في هذا اليوم ولكنها مدوية الفزع فقد كان تقديراته أقل من سابقاتها
وتهاوت أحلامه أمام عينيه فقد كانت فرصته الأخيرة ... كما فقد إيمانه بإعتقاده ...وكفر بصدق التنبؤات والتكهنات ..وشعر بغصة حانقة تمزق حلقه ..ولكن قد فات أوان الندم ...إنه نفس السيناريو المتكرر .. فليفكر الآن في وسيلة إنتحار العام ولتكن جديدة ومبتكرة ومختلفة عن سابقيها فقد اعتاد جمهوره السنوي علي تلقي الجديد دوماً إلا في درجاته
وأخيرا قرر أن يصعد إلي بيته لا حجرته ولكن إلي سطح البيت وليجرب هذا العام القفز من أعل بنايته ذات الطوابق التسعة .. ولطالما تخوف من هذا القرار فكان يختار دوما الوسائل المحتملة الفشل ... ولكنها فرصته الاخيرة في الثانوية ولتكن أيضاً وسيلته الأخيرة و فرصته الأخيرة في الحياة وليواجه مخاوفه
أخذ يصعد درجات السلم وشتان بين صعود وصعود ..حتي دلف إلي السطح ..نظر إلي بعد الأرض عن الأرض ..تجمدت قدماه ولكن دمعة ساخنة نزلت من عينيه فأذابت جمود قدميه
وقف علي السطح ... نظر إلي الأرضين ثانية .. قرر ... رفع قدميه عن الأرض قفز ..وفي الهواء ابتسم .. فقد دوت في أذنيه الكلمات المقدسة :" ستحقق اليوم ما لم تستطع تحقيقه من قبل


0 الحشريين:
إرسال تعليق