16 مارس, 2007

عيون متشرد

سوادٌ حالك تظهر داخله نقطة بيضاء ..وما أدراني ما الأبيض وما الأسود..تتسع النقطة كستار المسرح المتمخض عن عالم آخر لا ينتمي لعالمي..أعجز عن وصفه فأنا لم أتعلم الوصف..فلا لون عندي وما من روائحٍ في كنانتي .. أعشابٌ ذات لون وأشجارٌ عاليها لون العشب وأسفلها لون عصا المخبر منبهي الذي يوقظني من نومي كل يوم..ورود كلون دمائي التي اعتادت علي وصالها عيناي وهي تتدفق دوماً من قدماي العاريتين.. رائحة تبعث في نفسي الرهبة كرائحة العملة التي قذفها لي الطفل من سيارة أبيه الفارهة أول أمس.
سيدة بل فتاة –هكذا علمت فيما بعد-شابة تقف بين الأشجار ترتدي ثوباً كلون قماش لافتات الإعلانات التي نستتر بها بعد أن يمضي موسم الإنتخابات ولم يمض بعد موسم الشتاء القاسي بنيران أمطاره.. نادتني بإسمي مجرداً من كل التنابزات الساخرة التي أسمعها ممن حولي الذين لا أعرف لهم بي نسباً ولكنا كنا هنا من زمنٍ بعيد ولا زلنا هنا ..ينقص واحد أو تزيد واحدة..لا يشغلنا أن نستيقظ يوما فنجد أحدنا ذهب ولم يعد فكلنا يوماً كنا "ذهب ولم يعد".. أقبلت عليها وحدثتها كما يتحدث الناس لا كحديثي ..فلغتي الأصلية حروفها معقدة..وتراكيبها متداخلة..لا يسع فك شفراتها آذان المنزليين فهي لم تنبثق مع باقى لغاتهم من أمٍ واحدة وإنما جاءت سفاحاً من معاشرة الألم للمعاناة..
رأيت صورتي في صفاء مرآة عينيها المصقولتين بيد الإله حديثاً..رأيتني نظيفاً مرتباً.. وشممت رائحتي في عينيها جميلة كبخور السوق.. وسمعت صوتي في عينيها رقيقاً لا أبكي ولا أصرخ كالعادة.
مدت يدها إلي..لا لتصارعني..كعادة بعض من حولي ولا لتسرق جهد يومي كشيمة بقيتهم..لكنها امسكت يدي يرقة وقربتها من فمها ..ظننتها بدءاً ستأكلها فإنا نأكل كل شيئ إن وجدنا كل أو وجدنا شيئ..ولكنها ضمت شفتيها ثم باعدتهما مصدرةً صوتا هامساً أظنها ما يسمونها قبلة..أحسست بكل شعيرة من جسدي تنتصب قائمةً في حضرة الشفاه القدسية ..أظنها ما يسمي القشعريرة.
جذبتني برقة ولكني طرت إليها رغماً عني.. وكأن سلطانها علي جسدي إنتصر علي سلطاني وكأنها آلهة تعبدها خلاياي فلا تطيعني معصية لربهم الفتان.. تبدل العالم من حولي وكأنها رسامٌ مبدع أخذ يتصدق بفنه وألوانه علي صفحة عالمي..وكأنها شاعرٌ آلمه ضيق جسده علي فحولته فكسر القيد وأخذ يحيل أنفاسي معلقاتٍ وترانيم
كان صمتها يظميني.. ارغب في لمسها وأخشي مسها ..أود احتضانها واضطرب فزعاً عند اقترابها..آنف أن أنقص الأمر بإكماله.. وكأني أخشي افساد قصيدتي بتقفيتها..وأرفض أن أزهق روح معاناة الشوق اللذيذة بعلاجها
مدت يدها مسلمة ً فشعرت بقلبي يتحلل ويتسرب إلي أطراف أصابعي وصار الدم هو من يحمل القلب..ووجدته فيضاً يسري من شحنات الوجد عبر الأجساد جيدة التوصيل للتيار الحسي.. التقطتني ووضعتني في كفها التي رأيت فيها زحاماً من المتضائلين أمثالي في محراب سحرها ميممين كعبة أناملها.
ولكن جذبة خاطفة رأيت بعدها أنوار صفعتين علي وجهي علمتهما يدي المخبر وعرفت أنه لم يكن سوي حلم كان ختامه ترتيل المخبر أنشودة سباب الصباح..وتلاوته سفر الخروج من تحت الإشارة فقد علت الشمس عرش الشروق وفتحت اشارة المرور التي تأوي رفاتي النائمة بعد جدول الأعمال المضني من سرقات وتسول .
إنه النوم إذا هذا الذي خاصمني خصاماً فاجرأ غير مكترثٍ لتوسلاتي وابتهالاتي راجيا معه التوحد..وأنا أنتظره متمللاً فكم تصير في الأرق العقارب بدينة فتتباطئ حركة الساعات ..وكم تشيخ الأيام وتتيبس مفاصلها فتتثاقل عن المضي..
قمت أفكر في بطني التي تصرخ جوعاً..وحلقي الذي يدمي عطشاً ..وجلدي الشاحب جراء جفاء دمائي..
قاطعني ذلك الصوت الذي يتكرر يومياً حوالي أربع نوبات والصادر من مجموعة البنايات المتكررة التي يقصدها الناس بعد هذا الصوت القائل حي علي الفلاح والله أكبر
لكم تسائلت من هو الله الذي يملك كل هذه العقارات التي يدعونها المساجد..وأين يقيم حتي أتسول عنده اليوم لقمةٌ أو نومة
تناسلت داخل فكري التساؤلات عما نسمعه ولا نعرف له معنى من سبت ورمضان .. زواج وإرهاب..مليون .. جنس.. بطالة.. موت
ما هذه .. بل ما نحن .. بل ما هم .. بل ما بل .

0 الحشريين: