26 مارس, 2007

قصاص

إنها نوبة العناء المعتادة تتكرر .. إنها الآلام بلا مسكن والمعاناة بلا دواء.. هو مرضي وحدي في هذا الكون.. تأتيني آلامه كلما داعبتُ ذهني باحثاً عن فكرة لقصة جديدة وكلما التقطت قلمي لأدون أسفارها التي تنشر في المجلة الأدبية التي ارتفع معدل استهلاكها في أسواق التوزيع أخيراً.. وتبعاً فقد أضحت كتاباتي تُحَيِّى آلاف العيون وتزور مئات العقول صباح كل أحد.
ولم تروقني صورة النجاح التجاري فلا يزال مجهري بيدي أبحث عن ذاتي .. ولا زالت حرب التوصل إلي كنهي لم تضع أوزارها ومناوشات التعرف علي كينونتي مستعرة.
فرغم عنائي المضني للوصول إلي قيادة فيالق القصة وتبوأ منبرها في المجلة إلا أن مشاعرى لم تبرح مكانها بعد وأفكاري تقضي مؤبد عبء المعرفة في سجون نفسى.. فلم أنفك متقيداً بمتطلبات ساحة القصة ومذعناً لضغوط جيوب القراء.. نعم قد أخفي عضواً من ذاتى بين سطور أحاديثى ولكني لا أملك التنويه عن فرويد أو الإشارة إلي دارون أو الإعلان عن العدمية وأن العالم من امتثالي وبلا وجود حقيقي كم أؤمن.
ويسألون عن الحب فهو أدهي وأمَرّ فإني لا أستطيع التعبير عن حب مُزهِق أُكِنُّهُ لأميرة الشعر الصغيرة والتي يجاور عمود شعرها عمود قصتي في المجلة.. ولكن قصصي تبقي عاجزة علي تخلل فواصل الأعمدة واختراق خطوط الطباعة للوصول لشعر معشوقتي.. فيتراقص سردي مع تفعيلاتها ..وتمتزج كلماتنا في كتاب مقدس..فإنني لا أكتب فعلياً إلا لها وكل قصصي تحمل ظاهراً لفظياً للعوام وباطناً تراسلياً رمزياً لها وحدها..ولكنها تتقارأها كالعوام وتُعَقِّمها بتفكيكها البنيوي وكأنها تخشي أن تفقهني .
لو كنتُ شاعراً لم يكن مستغرَباً أن أخلق قصيدة عشق اتغزل فيها بعيونها.. واقدس روحها واتقرب لعقلها وامدح عمق شعورها.. ولكني لا زلت هنا قصاصاً محكوماً بشخوص وأحداث.. فكرة و رموز ..لفظٍ مكثفٍ.. ووحدة انطباع..وفكرةٍِ غير مستهلكة وكل الأفكار قد هلكت استهلاكاً.
لملمت نفسي ورتبت أوراقي ونزعت نوبة الألم وتسلقت القلم.. وانتشلت (كالمعتاد) مفكرتي حاضنة بنات أفكاري وجليسة خواطر الأسبوع.. ونظرت إلي صُفيْحَة أفكاري..ومددت أصابع عيني ملتقطاً فكرة لأقوم بطهيها (كالمعتاد) علي الورق لقراء الغد وضيوف العمود..وأخذت أرسم لها لوحة في ذهني (كالمعتاد).. ثم رحت أذكِّر ذاتي بملاحظات النقاد حول القصة المنصرمة بأن اهتم بالمعني قبل اللفظ (كالمعتاد).
وبدأ قلمي يشاطرني همومى ويبكي مواساة حبراً علي مسودة قصتي المتبرعمة هامساً فيها:
" خرج من بيته مبكراً كعادته وانطلق في عمله اليومي بسأمه الأخاذ .. ولكن أين المفر من أنات الزوجة المتلاحقة.. هذه الأنات التي تمني من ويلات أمواجها قطعَ أذنه ليقيس بها عمق هاوية فمها ليفكر كيف يسده يوماً.. فإن أناتها تسابق أنفاسها .. تأن في لحظات السعادة وما قبل النشوة.. وتأن في لحظات الأنين النسوى الجماعي ما قبل رمضان والأعياد ودخول المدارس.. بل إنها تعلم أولادها فن الأنين قبل الكلام فلا يرحمون ويعزفون سيمفونية الأنين الجماعية علي قيثارة أعصابه المتهتكة بفعل الديون علي راعي بيت الأنين...."
لحظة لماذا لا أتحدث عما ينتابني من ضيق حول مكانة المرأة بين متشدقي الفقهاء النصوصيين؟.. ولكني سأخسر نقود القراء المتسلفين المباركة.. فلم لا أتحدث عن نسبية الأخلاق؟، ولكن من يعي النسبية والإطلاق ولا زلت قصاصاً محكوماً عليه بالتكثيف مدي الحياة.
كم أحسد هؤلاء الشعراء الذين لا يحملون أوزار وأد الخوطر .. ولا يتخلون عن الرحمة المعرفية ويهيلون التراب مثلَنا علي أعماق النفوس.. ولا يكتمون صرخات الأفكار .. يبوحون بعشقهم وتمردهم وأيدولوجياتهم.. رثاء ومدح وتملق.. يَقُصُّون ويناجون..
من المعقول أن تهوي شاعرتي شاعراً من طبقتها يتغزل لها باسمها في عمود مقابل بقصيدة مقفاة موزونة.. يكبرها سناً وعروضاً.. إنني أحمل حقداً من بروليتاريا القصة علي برجوازية الشعر ..فهم يتحدثون دوماً عن أحلام الشعراء ونفوسهم وتأملاتهم وتغنياتهم ولا يتصدق أحدهم بنظرة إلي قعقعة قيود القصاص.
إنه الشرود مرة أخري فلأعود لقصتي:
"وقف في موقفه المعتاد وأخذ يحاكي أنين العازفين من عائلته صارخاً منادياً علي النقود .. التي رآها تستجيب له سائرةً نحوه من كل صوب زاحفةً من كل حدب .. فها هو جنيهاً يرتدي حلة أنيقة ورابطة عنق تتمني شنقه قصاصاً علي خنقها برقبته.. وها هي جنيهاً آخر شهوانياً تتهادي كراقصةٍ سكيرةٍ في فقرتها..وها هما جنيهان احدهما مذكراً تتداعب لحيته شعيرات صدره يتأبطه جنيهاً مؤنثاً منتقباً لا تظهر إلا عيناه من ثقبٍ اختلف مع الأول علي حجمه المقدس وعمقه المحرك للفتنة النائمة....."
لحظة إن مثلَ هذا القلم بين يدي أقلامٌ جرةُ الواحدِ منها تحطم دولاً وتشيد حروباً.. وأقلاماً تقيل حكومات وتعيِّن أخري ..وأقلاماً تدشن الصواريخ .. وأقلاماً تَحِيك المعادلات..وأقلاماً تقطر شعراً وأقلاماً تغير التاريخ فلماذا يا قلمي لا يسعك حتي القول مثل رواد رياض الاطفال أحبك يا صغيرتي..؟!
إنني أري قصصي أمامي كثيرة ..قصة عن هذا وقصة عن تلك .. قصة بعين مريض نفسي.. وقصة بلسان طبيبه.. وقصة علي لثغة طفل حالم..وقصة بزقزقة عصفور أو ارتجافات أجنحة فراشة..وقصة من قلب أمٍ وأخري من أصابع إرهابي..وقصة بلا عينٍ ولا شخوصٍ ولا أبعاد..وقصة لقطرة مطر تداعب شفتي صائم لتقبله فيؤجل معاشرتها لبعد الغروب أو شعاع شمس يعشق جسد فيلسوف..
ولكن أين قصتي من قصصي..إنه فقط اسمي يُذيِّل قصصي وهمومي تُدمي بلفظي، ومخيلتي تجرح تصويراتي، ولكني لست هناك ..وكأني لعنت وقدر لي حراسة بوابة القصة دون المرور بين دفتيها إلي عالمها والظهور بين فقراتها.. إنني رب قصصي وخالقها ..ولا تطيعني ..أقتنيها ولا أملكها.. أكتبها وتلفظني حروفها ..أربيها وتعوقني ديباجاتها .. أؤلف بين الكلمات وأصالح بين الألفاظ فيتجمعون حلفاً يعلن عليّ الحرب.. أُقَبِّلُ سردي فيغري النقاد بقتلي ... وأقدس تكثيفى فيحث القراء علي نبذي..
قالو الطاقة لا تفني ولكن تتحول من صورة لأخري ..آهٍ لو تتحول تنهيداتي الطاقوية إلي صرخات شعرية تعقد لسان الإلياذة وتصم ذوق هوميروس.. أو دفقات حسية تعجز جوبتير ..أو صورٍ زيتية تَعُفٌّ نفس أوديب ..ولكن عذراً لا زالت تنهيدة.
حركتُ القلم ثانيةً :
"وها هو جنيهاً يتبرعم .. صغيراً يقفز ويصعد .. وجنيهاً يتأفف .. وجنيهاً يخرج من زقاق.. وجنيهاً يسب .. وجنيهاً يسير بصمت المآتم.. وجنيهاً ينزل من سيارة ..
حتي أكتملوا أربعة عشر جنيهاً .. وهنا أدرت الميكروباص صائحاً بهم : الأجرة جنيه يا حضرات"
أنهيت قصتي ونظرت إليها منتظراً قَصَاصَها من قَصَّاصِها لجرمه حين حولها من ممكن الوجود إلي واجب الوجود .. حين أطلقها من حرية العدم إلي سجن الوجود... حين عَمَدَ إلي تَعْمِيدَها في بصاق الكون فأزال عنها صفاءها الأزلي إلي تشوهٍ أبدىّ..حين أطلق عيون قصته ترصد مساوئ كوننا ، وضيق عالمنا.. وفساد نفوسنا.. وقلة حيلتنا في الحب.. حين جعلها جزءاً من عالمٍ ممسوخٍ يضيق على أهله فكيف باستقبال المزيد من الكيانات الوافدة..
أظن أن الحل هو إطعام العالم قصة كل لحظة لعله يضيق فتتمزق نظمه وينحل رباطه.

عماد رشاد
18/3/2007

0 الحشريين: